
من موقع حزب البعث العربي الإشتراكي عبد الرؤوف الكفري وإن رحل وافتقدناه سيبقى مالك الأمين حاضراً في الذاكرة القومية غيّب الموت المناضل والقيادي البعثي مالك الأمين عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي رئيس مكتب النشر والإعلام ورئيس تحرير جريدة البعث سابقاً. لقد اتّسمت حياة الرفيق مالك بالفاعلية والنضال المستمر، وقد دفع ضريبة النضال فسجن ونفي كحال غيره من كوادر البعث، وقد تستلم مواقع عديدة في مسيرته الكفاحية، وكان أهلاً في تحمّل المسؤوليات وخاصة بعد قيام ثورة الثامن من آذار 1963. أهمية افتتاحيات "البعث": ولاريب أن إشرافه على جريدة البعث ومجلة الطليعة كان إشرافاً لافتاً، إذ عبّر عن موقف الحزب حيال مختلف القضايا العربية والدولية، ولانزال نذكر أهمية افتتاحيات صحيفة البعث التي كان يكتبها، وهي بأحداثها السياسة وتحدياتها آنذاك أقرب إلى الواقع الراهن الذي تعيشه سورية في مجابهتها للمؤامرة الراهنة التي تستهدفها، يقول الرفيق مالك تحت عنوان "قمة المؤامرة" عن أحداث أيلول في الأردن: "لقد أدرك الاستعمار والامبريالية والصهيونية أن طليعة من الشعب تحمل السلاح لتقاوم الغزاة وتواجه المخططات والمرتكزات المعادية لتطلعات الشعوب في التحرير والتقدم، إن ذلك يشكل تطوراً نوعياً حاسماً في أساليب المواجهة والكفاح الثوري". إستراتيجية البعث والهم القومي: وتميّزت مختلف افتتاحياته في صحيفة البعث والمقابلات التي أجريت معه بالهمّ القومي ودفاعه عن إستراتيجية الحزب في قيادة الدولة والمجتمع، وفي شرحه لأهمية مقررات المؤتمرات الحزبية وخاصة القومية منها. وأما دعوته لتلاحم ثورة الحزب في سورية مع ثورة الفداء الفلسطينية فهي برأيه أكثر من ضرورية، وتؤلّف الرد الحاسم على مجمل التحديات التي تجابه الأمة وقضاياها. وفي سياق استعراضنا لبعض المحطات التي عاشها الرفيق مالك الأمين لا يمكن أن نغفل عن مشاركته الفاعلة في ملتقى الخرطوم الشهير الذي عقد ما بين 15 و 22 آذار 1970، والذي شارك فيه مثقفون ومفكرون ينتمون إلى مختلف الحركات الحزبية والنقابية العربية، وكذلك دعوته إلى الواجب والمهام الأساسية للصحافة والإعلام في الدفاع عن مصالح الجماهير، ولا نغفل أيضاً عن دعوته في مجلة الطليعة التي كانت تصدر عن دار البعث - تحت عنوان "حاجة الأمة ودور المفكرين"، حيث وضّح أن الأمة تحتاج إلى أبنائها ونشاطهم والفكر جزء من هذا النشاط، ويخلص إلى القول: "فالمفكرون أداة هامة بل قد تكون الأهم، إنهم عقل الأمة والجانب الأبقى منها للمستقبل البعيد والقريب، إنهم الحافظون لتراثها ولسمات شخصيتها، والخالقون للأساليب والمجالات والأهداف المرحلية والبعيدة لنشاط أبنائها". الحياة الداخلية للحزب: وكان للرفيق مالك الأمين مواقف شجاعة حيال الحياة الداخلية الحزبية، ولاسيما مواقفه حيال الوقائع الحارة التي عرفها الحزب ما بين 1966-1970، وخاصة المتعلقة بحركة 23 شباط والقفزة النوعية والمؤتمر القومي العاشر، وكان مدافعاَ شجاعاً عن حرية الفكر. ولا ننسى حديثه حول النكسة وإستراتيجية الحزب لتجاوز آثار عدوان حزيران 1967، حيث قال: "إن موقف حزب البعث محدد بكونه معبّراً عن إرادة الشعب العربي وبكونه أداة أساسية ومرتكزاً هاماً وقوة فاعلة لتحقيق هذه الإرادة". وفي سياق حديثنا عن مسيرة الرفيق مالك الأمين نتذكر معاني كلمته الهامة التي ألقاها في الذكرى الحادية عشرة لقيام الوحدة بين سورية ومصر، حيث أكد أهمية التلاحم بين ثورة الحزب في سورية وثورة 23 تموز في مصر، مشدّداً على أهمية الوعي الجماهيري الوحدوي. النزعة الأدبية: ومع مرارة افتقادنا للرفيق مالك الأمين يجب ألا نغفل الوجه الأدبي لديه، حيث كانت تسكنه نزعة أدبية لاسيما الشعرية منها، ولا ننسى قصائده الوطنية الحماسية وتغنًيه بأمجاد الأمة وتاريخها، كحال العديد من شباب البعث الذين آمنوا بوحدة أمتهم ورسالتها الخالدة. إن رحيل الرفيق مالك الأمين خسارة كبيرة للنضال الوطني والقومي ولحزبنا العظيم، ومكانته ستبقى حاضرة في ذهن أجيال البعث المتتالية. رحم الله فقيدنا مالك الأمين وأسكنه فسيح جنانه، وأحرّ التعازي لزوجه ولأبنائه أنس وعبير ومهدي ولكل أبناء بلدته الصوّانة في الجنوب اللبناني المقاوم. جريدة السفير .
مالـك الأميـن وحكاية الخيبات العربية |
كم من الذين رددوا يوماً أبيات قصائد مالك الأمين الوطنية الحماسية عرفوا برحيل شاعرهم المناضل قبل أيام، وكم من الذين جمعتهم بأبي أنس حلقة حزبية أو تظاهرة شعبية، أو زنزانة أمنية أتيح لهم أن يشاركوا في وداع فقيدهم الراحل إلى مثواه الأخير. بل كم من الذين عرفوا طعم المنفى الطويل، والتشرد الأليم مع رجل قسا عليه الأقربون قبل الأبعدين، والرفاق قبل الخصوم، تسنى لهم أن يقوموا بواجب العزاء إلى رفيقة عمره أم أنس وإلى عبير وأنس ومهدي، وقد فقدوا أعزّ الأحبة على قلوبهم. أسئلة تزاحمت في خاطري وأنا أتوجه إلى مقر الجمعية الإسلامية للتوجيه العلمي لأقوم ببعض الواجب تجاه من أفنى حياته وهو يؤدي ما كان يعتبره واجباً. وتذكّرت، وأنا أحاول الإجابة عن هذه الأسئلة القاسية، حكاية أبي أنس التي تبدو في فصولها مشابهة لكثير من حكايات شباب ورجال آمنوا بوحدة أمتهم وبرسالتها الخالدة، فإذا بالدرب الذي بدا مشرقاً منيراً واضحاً في البـــدايات يتحول إلى دروب مظــــلمة، بل إلى أزقة وزواريب معـــتمة، يتبدد فيها الوضوح المفـــترض، وتغـــرق فيها طمـــوحات وآمال بدا للحظات أنها في متناول اليد... حكاية مالك الأمين، المناضل والقيادي في واحدة من أعرق الحركات الحزبية في وطننا العربي، هي حكاية الكثير من المناضلين في الكثير من الحركات والأحزاب المناضلة في أمتنا، أياً كانت مشاربها العقائدية ومنابتها الفكرية، لا سيّما حين يتحوّل فيها الاختلاف في الرأي إلى قطيعة بين الرفاق، والتباين في الرؤية إلى صراع على السلطة يسجن فيه الرفيق رفيقه، وينكر فيه الابن أباه، أو يطارده أو يقوده إلى مقصلة الإعدام. ولو أن الأمر اقتصر على محنة فردية أو مآس ذاتية أو حتى على دمار الأحزاب والحركات نفسها، لهان الأمر، ولكنه وصل إلى الوطن كله، وإلى الأمة بأسرها، وقد سادتها لغة التنابذ والتناحر والإقصاء والاستئثار والاحتكار، فخسر الرفاق بعضهم ولم يربحوا الوطن، واختزلت الحركات والأحزاب بعضها بعضاً، ولم تجتمع الأمة معها على رؤية أو برنامج أو قرار... رحيل مالك الأمين، السيّد الجنوبي، والشاعر الحالم، والمناضل الذي أمضى شهر عسله في السجن، والقسم الأكبر من حياته في المنافي، ليس مناسبة للحزن على رفيق وصديق غادر في رحلته الأخيرة فقط، بل هي بشكل خاص دعوة لكل من بقي من رفاقه وأصدقائه على قيد الحياة، بل للأجيال الجديدة برمتها، لكي يتفكروا بعمق في الجوانب المتعددة لأزمة حياتنا الحزبية والسياسية.
معن بشور
|
|