بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين
السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات الكرام ورحمة الله وبركاته.
في البداية أبارك حلول هذا الشهر العظيم وهذه الضيافة الرائعة لسيدنا ومولانا وصاحب أمرنا وحبيبنا طبيبنا وكهفنا وملاذنا وكل وجودنا، الإمام المهدي المنتظر ـ روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء ـ وأبارك هذه المناسبة العظيمة لقائد الأمة الإسلامية وحادي ركب العشاق وحامل لواء المهدي المنتظر في هذا العصر الإمام الخامنئي ـ دام ظله الشريف ـ وأهنئ سيد المقاومة وعزّها وشرفها السيد حسن نصر الله ـ حفظه الله ورعاه ـ بمناسبة حلول عيد الله الأكبر وعيد أوليائه كما أقدم لكم إخوتي وأخواتي الكرام في هذا الصرح المبارك أسمى آيات التهنئة والتبريك بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لصيامه وقيامه وتلاوة آيات كتابه.
بالإضافة إلى كون شهر رمضان الكريم شهر الصيام وقراءة القرآن، يعتبر هذا الشهر موسم الدعاء. ويدل على هذه الحقيقة كثرة الأدعية المأثورة عن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ التي وردت لأيامه ولياليه وأسحاره ومختلف ساعاته. كما أن هناك آية عظيمة وفريدة من نوعها حول الدعاء قد جاءت في القرآن بعد آيات الصيام وشهر رمضان وهي قوله تعالى: (وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادي عَنِّي فَإِنِّي قَريبٌ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجيبُوا لي وَ لْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون) البقرة/ 186
إن الدعاء بشكل عام يمثل فرصة كبيرة للإنسان لتطوير حياته المادية والمعنوية في دنياه وآخرته، فحري بنا أن نقف عند هذا الأمر العظيم لنتعرف على بعض رموزه ودقائقه، فهو كغيره من الفرص الخاطفة لا ينتفع به كل الناس ولا يعرف قدره كل الناس ولا يعلم التعامل معه كل الناس، شأنه كشأن الشباب والعمر والصحة والمال وغيرها من الفرص الثمينة التي قد تصبح وبالا على صاحبها إن أساء التعامل معها. فإليكم إخوتي وخواتي الكرام مجموعة أفكار ووقفات عند موضوع الدعاء علها تنفعنا في سبيل تنمية استعدادنا وقابليتنا للاستفادة من فرصة الدعاء.
صك أبيض وقعه الله لا شك في أن الله سبحانه عندما يريد أن يقدر مصير الإنسان ويعطيه من بعض نعمه ينظر إلى مستوى عباداته وأعماله، فإن فيها مدخلا كبيرا في مستقبله ومصيره. فالمؤمنون الصالحون (لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُون) الأنعام/127، وكذلك في المقابل (وَ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُون) الأنعام/49 . فكل الناس جالسون على مائدة أعمالهم، ومستقبلهم في الواقع إنما هو حصاد لما زرعوه في الماضي.
ولكن لا يكتفي الله سبحانه أثناء تقدير مستقبل الإنسان باستعراض ملف إنجازاته وأعماله، بل مضافا إلى ذلك ينظر إلى هوى عبده ورغباته وآماله.
إن الآمال والأمنيات تلعب دورا كبيرا في مصير الإنسان في آخرته ودنياه، إذ أن الله سبحانه لا يمرّ عن آمال الإنسان مرور الكرام وقد أدخلها ضمن مجموعة العوامل المؤثرة في مصير الإنسان. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : "منْ تَمَنَّى شَيْئاً وَ هُوَ لِلَّهِ رِضًا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يُعْطَاه".. خصال الصدوق1/ 4
إن ملف آمال الإنسان ملف مهم لدى الله عز وجل، فكما يهمّه واقع الإنسان ومستواه في الحال الحاضر، يهمّه طموح الإنسان ورؤيته عن الحياة المثالية والإنسان المثالي ومثله الأخرى التي تتبلور في آماله وأمانيه.
من هنا يتضح دور الدعاء وشأنه في حياة الإنسان ومصيره. الدعاء تقرير رسمي موثق عن أماني الإنسان وطموحه إلى الله عز وجل ـ إن كانت كذلك فعلا وتعدت مرحلة لقلقة اللسان ـ ومن جانب آخر هو بمثابة صك أبيض موقع من قبل الله سبحانه؛ (وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُم) غافر/60.
هذا شأن الدعاء في طول أيام السنة ولياليها، فما بالك بالدعاء في شهر رمضان الذي تحكمه ظروف الضيافة ويكرم فيه الصائم كما يكرم الضيف في بيت الكريم.
قناعة في غير محلها عندما يدخل المؤمنون الجنة ويرحب بهم الملائكة قائلين لهم (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدين) الزمر/73، لن يحددوا بموقع خاص دون آخر، ولن يقودهم الملائكة إلى قصورهم وبساتينهم ليحصروهم بالقصور والبساتين والجنان التي أزلفت لهم دون باقي نعم الجنان ومقاماتها، بل سيعطون منذ دخولهم إلى الجنان وإلى الأبد حرية مطلقة ومشيئة بلا حدود؛ (لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فيها وَ لَدَيْنا مَزيد) ق/35، (لَهُمْ فيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُون) يس/57.
فالمؤمن حر في الجنة وبإمكانه أن يذهب أينما يريد وحيث يشاء. ولعل هذه من أولى الكرامات العظيمة التي تعطى لأهل الجنة. كما سيشعرون أهل الجنة منذ دخولهم في الجنان بهذه النعمة والكرامة فيحمدون الله عليها؛ (وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلين)الزمر/74.
ولكن تعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس كل أهل الجنة سوف يطلبون المقامات العالية في الجنان ومجاورة الأنبياء والحضور في جلسات الأنس مع محمد وأهل بيته عليهم السلام، بل سيكتفون بالحور والقصور وباقي النعم المتوفرة في الدرجات النازلة من الجنة دون أن يشتهوا الأجواء التي يعيشها الأولياء والشهداء والمقربون.
وهذه من الحقائق العجيبة التي قد لا نقدر على إدراكها جيدا. ويا ترى كيف يمكن للإنسان المختار المريد أن يدع المقامات العليا التي نالها الأولياء والأنبياء والشهداء ويكتفي بالمراتب المتوسطة أو النازلة من الجنان؟ ثم عندما يشرب الأبرار الرحيق المختوم بالمسك مع نكهة ومزاج من تسنيم، كيف لا يطمعون بالشراب الخالص من تسنيم وعينه الصافية التي يشرب بها المقربون؟! (راجع سورة المطففين من الآية 22 إلى 28)
قد لا نجد مثالا لهذه الظاهرة في عالم الدنيا، إذ أننا نطمع بالشيء الفاخر والثمين ولا نختار الرديء إن أمكن الحصول على الأجود منه. ولكن يوجد مثال واحد على الأقل، ولعله من أهم أسباب بروز هذه الظاهرة في الجنان، وهو أننا قنوعون في مقام الدعاء والطلب مع عدم وجود أيّ حدّ يقيّدنا في نطاق محدود من الطلبات.
لقد فتح الله علينا باب الدعاء وضمن لنا الإجابة، ولكن أغلب المؤمنين قد اكتفوا في أدعيتهم بطلب الجنة ونعمها النازلة، دون أن يشتهوا ويطلبوا مقام الأولياء والمقربين ويدعوا لنيل ذاك المقام. وعليه فسوف تتجسد هذه القناعة التي في غير محلها عند دخولنا في الجنة وتجعلنا نقتنع بالقليل الأدنى من نعيم الجنة غافلين عما يعيشه المقربون.
إن السبب في هذه القناعة السلبية هو طول الأمل في الدنيا، إذ بقدر ما تطول آمالنا في الجانب المادي والمسائل الدنيوية تقصر هذه الآمال في المسائل المعنوية. إذ نحن لدينا رصيد ثابت في الآمال والأمنيات، فعندما نصرفه في المسائل المادية الحقيرة ينقص هذا الرصيد في تمني المقامات العليا والدرجات الرفيعة في الجنان. لابد من ادخار الأماني والاقتصاد في الآمال شأنها كشأن الأموال لكي نستطيع أن نصرفها في مجالها، وأي مجال أفضل وأولى من تمني التقرب إلى الله ومجاورة الأولياء والاستشهاد في سبيل الله و…
فرصة للتحليق نحن محدودون في مقام العمل ولسنا قادرين على القيام بكل ما نشاء ونهوى. فقد نود أن نستيقض قبل الفجر ونصلي صلاة الليل ولكن لا نحظى بالتوفيق دائما. ولعلنا نرغب بأداء كثير من المستحبات، بيد أنه منعنا سوء التوفيق الحاصل من الذنوب.
وفي كثير من الأحيان نعجز عن إتيان بعض الأفعال لا لضعف الإرادة وسوء التوفيق، بل بسبب عدم توفر الظروف والأسباب. فعلى سبيل المثال إن قوانين هذه الحياة وقيودها لا تسمح لنا بحج بيت الله الحرام في كل عام، ولا تسمح لنا بزيارة الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ في جميع ليالي الجمع. كما أن ظروفنا الاقتصادية لا تسمح لنا بقضاء حاجة كل فقير وتسهيل زواج كل شاب. وهكذا...
إذن نحن محدودون في مقام العمل بمختلف أنواع الحدود والقيود.
ولكن الله سبحانه قد فتح علينا نافذة إلى عالم غير محدود وأطلق سراح مشيئتنا وإرادتنا فيه لنفعل ونعمل في ذلك العالم حيث نشاء وكيف نريد. وهو عالم الدعاء والطلب من الله عز وجل.
الدعاء فرصة تمكن الإنسان من التحليق في سماء الكمالات والمقامات العليا حسب فهمه ومعرفته.
عندما فتح الله للإنسان باب الدعاء كأنما أوحى له قائلا: إن أعمالك وإيمانك ومعرفتك اليوم تحكي عن شيء من قيمتك ومستواك، ولكن بغض النظر عما عليه أنت الآن والظروف التي تحكمك وتقيدك، قل لي ماذا تريد أن تكون، وكيف تبرمج للمستقبل لو خليت أنت ومشيئتك بغض النظر عن الظروف والأسباب.
بهذا الشرح المتواضع يتضح أن الدعاء عمل مهم ومصيري بحذ ذاته، وبغض النظر عن تحقق الأمر المطلوب في الخارج أو عدم تحققه. فهناك بون شاسع بين قيمة الإنسان المحروم من توفيق صلاة الليل ولكنه متأسف على سوء توفيقه ويدعو الله لهذا التوفيق، وبين الإنسان التارك لها عن لا مبالاة وعدم اكتراث. كما هناك فرق كبير بين الإنسان العاجز عن مساعدة أغلب الناس ولكنه يأمل ويدعو الله دائما لقضاء حوائج الناس والتوفيق لخدمتهم، وبين من أهمل هذه المسائل وعاش بمعزل عن قضايا الناس ومشاكلهم. ولا قياس بين من لم تتوفر له الفرصة للجهاد ولم تسمح له الأسباب باجتثاث أصول الظالمين ومات في آخر عمره على الفراش غير محضوض بشضايا ساحات الجهاد والقتال، ولكنه قد طوى رداء عمره بتمني الجهاد والشهادة والدعاء لذلك، وبين من قضى عمره لاهيا عن أجواء الجهاد والشهادة ولم تتعد آماله وأمانيه حدود مسكنه ومأكله ومشربه. لقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أنه قال: "من سأل الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه". بحار الأنوار67/ 201
هذا نموذج من كرم الله ولطفه على المؤمنين، والمؤمن كيس فطن ينتهز الفرصة ويستغل الطرق السهلة القصيرة في مسيره إلى الله. لقد نقلت لكم هذه الرواية سابقا وأعيدها عليكم مرة أخرى:
إلهي إن سمحت لنا بالدعاء كيف نشاء ودعوتنا أن نجزل في الطلب فأسألك أن تغفر لي كل صلواتي التي اديتها بقلب لاه وساه، وتكتب لي بدلا عنها صلوات راقيات مع حضور القلب وجماعة خلف سيدي ومولاي صاحب الزمان في مسجد الحرام.
الهي أسألك أن تجعل آخر لحظات حياتي تشبه آخر لحظات أصحاب الحسين ـ عليه السلام ـ حيث كان أحدهم إذا سقط على الأرض ينادي سيده ومولاه ويقول يا أبا عبد الله عليك مني السلام، فيأتي الإمام مسرعا كالبرق الخاطف يضع رأسه في حجره ويمسح بيده على رأسه مبتسما بوجهه ومطمئنا قلبه بما سيلقاه من المقام والنعيم في الجنان، ثم يفارق هذا الشهيد الحياة ورأسه بيد إمام زمانه… إللهم ارزقني الاستشهاد بين يدي الإمام المنتظر عليه السلام، حتى أعيش أحلى وأجمل لحظات عمري في ساعة الاحتضار عندما أنزف دما وقد أمسك إمامي بيدي واضعا رأسي في حجره وهو يطمئنني برضاه عني.
إلهي أعلم أن امنياتي هذه أكبر من حجمي وقدري وشأني ولكن "عفوك عن ذنبي و تجاوزك عن خطيئتي و صفحك عن ظلمي و سترك عن قبيح عملي و حلمك عن كثير جرمي عند ما كان من خطاياي و عمدي أطمعني في أن أسألك ما لا أستوجبه منك". [مقطع من دعاء الاقتتاح]
أعتذر عن الإطالة. كل عام وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.