|
الشهيد السعيد السيد عبد اللطيف الأمين.. وجه جنوبي مشرق رفض مداهنة المحتلين، وآثر المواجهة والتحدي، مقتفياً بذلك دروب آبائه وأجداده..
كان باستطاعته أن يسكت فيسلم، أو يبايع فيغنم، ولكن دينه يأبى عليه ذلك، فآثر أن يدخل معترك الصراع، وبين جنبيه عشق لكربلاء، وشوق للظاعنين في ركاب الشهادة..
في العام 1978، عاد الشهيد إلى مسقط رأسه شقراء ومن ثم إلى بلدة الصوانة، من أعمال مرجعيون، ليتابع نشاطه الديني كإمام وداعية خير فيها، لقد رجع، يحدوه الحنين إلى تراب عامله، وصدره ثابت الجنان والعزم، يحمل مشعل السيد عبد الحسين شرف الدين والأعلام الميامين من أعيان مؤتمر الحجير.
كان الشهيد قد تزوج في العراق من بشرى ابنة العلامة الشيخ محمد تقي الفقيه، وأنجب منها أربعة أولاد، صادق وميثم، وجمانة وعزيزة، وفي الصوّانة بدأت رحلة الشهيد في عالم المسؤولية التي طالما واكبها من خلال الزوار العامليين للعتبات المقدسة في العراق مع أخيه السيد محمد جواد، لكن التطلعات الدينية والاجتماعية لا ترتبط بزمان ومكان، إنما أفضلية النشاط تحتم على المسؤول حضوره في المكان الأحوج، فكان ذلك الدور الطليعي الذي انتهجه الشهيد السعيد، خطوة متقدمة على طريق الوقوف والتصدي للتفرقة وتذليل الصعوبات المعترضة لتوجيه الكلمة بوجه التغرب والجهل والمكائد الصهيونية وسياسة الانحراف عن الجادة وطريق الإيمان، هذه الأمور كادت أن تصل إلى حد النزاعات، لكن سرعان ما ظهر في الساحة من يحمل خشبة الخلاص، بوعي وحكمة، أعادت الاعتبار الأخلاقي والإيماني بمثل متجلّية بعيداً عن الغوغائية، وحملت في طياتها حكمة السيد وبراعة الموجّه، فوحد الأحزاب على قاعدة اجتماعية غايتها خدمة البلد والنهوض فيه بروح إيمانية وأخلاقية رسالية فابتدأت مسافة الألف ميل..
نشاطه في الصوّانة
إن عملية الإصلاح والمتابعة، تتطلب الاستقرار والمواظبة، فكان لابد من إقامة في البلدة، فباشر عندئذ الشهيد، وعلى أرض كان قد ورثها من أبيه، ببناء بيت متواضع، ليكون منطلقاً لنهضته التي آل على نفسه تحمل تبعاتها رغم الصعاب والآلام، بممارسة حيّة وذهنية مدركة بجوهر العلاقات، وتقاليد وعادات ومتطلبات الواقع المحيط، وما طرأ عليه من تراكمات السياسة المحلية والإقليمية وأيديولوجيات غريبة، تركت بصماتها على جيل الناشئة، فكان دور السيد الشهيد أن يعالج هذه المسائل مجتمعة ويحدها على خدمة البلد الفقير المحتاج لكل أنواع المساعدة، من تطوير المدرسة، والتشجيع الزراعي، وهو المجال الذي طالما ركز عليه الشهيد لأهميته في التشبث بالأرض ومنع الهجرة، والعمل على مبدأ الاكتفاء الذاتي، كونه مشروعاً إنمائياً استثمارياً، له مردود إنتاجي يساعد على تحقيق آمال المزارع، في بلد، قلّ فيه الاهتمام بالمزارعين الشرفاء، فكان يشجع على التسليف الزراعي وإصلاح الأراضي البور، والغرس والتشجير، كعامل مساعد على الإنتاج والجمال والبقاء..
وخدمة لمشروعه، أسس جمعية خيرية إجتماعية وثقافية لإعانة الفقراء والمحتاجين، ومساعدتهم، في شتى المجالات التربوية والزراعية والاجتماعية، كما طالب المعنيين بالتعاون مع أعيان البلدة والنافذين فيها على تطوير المدرسة وتحديثها، بناءً وتدريساً وتجهيزاً، وأقام الندوات الدينية وحلقات التدريس المسجدية وأحيى المناسبات الدينية بأنواعها، وفتح باب التبرعات للإصلاح والعمران، فبدأ بجامع القرية المتواضع، ثم اشترى أرضاً في وسط القرية ووقفها، مشدداً في توجيهاته على وحدة الصف ونبذ الخلافات، وتوطيد العلاقات وتمتين الأواصر، والتآخي بالله والتمسك بأحكام الدين والصلاة. كما كان يركز دائماً في خطبه وحلقات تدريسه على المحبة والوئام والنهوض العمراني واستغلال الأرض والتنبه لمخاطر الأعداء، أعداء الدين والرسالة، يحذرهم الوقوع في شراكهم وحبائلهم، لأنهم دعاة تضليل وبؤرة فساد وكفر.
وعندما انطلقت الثورة الإسلامية والتهب بركانها في إيران بقيادة الإمام الخميني ضد الشاه المقبور، أخذ الحماس يسري في الساحة اللبنانية، وكان لجبل عامل والبقاع الإسلامية دورها الريادي، في هذا المجال، بدأ السيد الشهيد يمتدح هذه الثورة ويوجِّه الأنظار نحوها في كلامه وخطبه، داعياً لها بالنصر والاستمرار بقيادة الخميني العظيم.
وكثيراً ما كان يواجه الشهيد السعيد، معارضة شديدة من مناوئيه، وهذه الحالة العلماء المجاهدين عبر التاريخ، لكن سلاحه دائماً الصبر والثقة بالله، ومتى ترك الحق لصاحبه صديقا؟!! الشهادة
لم تختلف ظروف استشهاد السيد الشهيد عبد اللطيف الأمين كثيراً عن ظروف استشهاد الشيخ راغب حرب، فالظروف واحدة كما الجهة الفاعلة، إسرائيل وعملاؤها.
فمنذ أن مُنيت جهود الصهاينة، بالفشل الذريع مع السيد الأمين، أخذت تمارس ضغوطاً أشد صرامة وأكثر محاصرة، فبعد صلاة المغرب والعشاء في جامع الصوّانة، البلدة المجاهدة التي أحبَّته وأحبّها، توجه السيد بخطاه الثابتة وقامته الشامخة إلى منزله في البلدة، لتناول العشاء مع أطفاله وزوجته، فكان العدو بطائرته المروحية ــ وعلى علو منخفض أثار الشبهات ــ يحومُ فوق منزله الكريم ومنطقة إقامته، في هذا الوقت توجهت باتجاه المنزل مجموعة مشتركة من العملاء والصهاينة بعدّتها العسكرية الكاملة، حسب رواية شهود عيان، وما هي إلا برهة وإذ بباب السيد يطرق عدة طرقات متتالية، دفعت السيد وبسرعة لفتحه، وعلى الفور ودون سابق إنذار، إنهال المهاجمون السفلة بوابل من رشاشاتهم الآلية على جسده الشريف، فأصابوه بعدة طلقات، في صدره وكتفه وأطرافه العليا، وعلى مرأى ومسمع من أطفاله، الذين راعهم الحادث، فأخذوا يصرخون ويبكون، قضى السيد مغمياً عليه، فاختلط صراخ الأطفال مع ولولة الزوجة الوفية، بشرى، فتدافع المقربون، وما الحيلة، فنقل السيدة بطوافة تابعة للأمم المتحدة إلى مستشفى الطوارئ بالناقورة، وبقي مغمياً عليه ثلاثة أيام متتالية، حيث فاضت روحه المباركة نهار الاثنين الموافق 25 صفر 1405هــ في مستشفى الطوارئ في الناقورة ويقال أن الإسرائيلييين طالبوا من قوات الطوارئ عدم الإهتمام به، لغاية أرادوها. ومهما يكن، فإن جراح السيد البليغة وإصابته المباشرة أدَّت إلى استشهاده.
كان وقع الحدث بالغاً ومؤثراً، في الأوساط الرسمية والشعبية والعلمائية من مختلف الطوائف والمذاهب، حيث أدانوا هذه الجريمة الإسرائيلية البشعة، وأثنوا على الدور النشيط والجهادي للسيد الشهيد كرمز من رموز المقاومة الإسلامية....
|