الله، الله يا مدينةَ الآلام...
كيف أُحصي مآسيكِ...
أيُّ قهرٍ، أيُّ ظلمٍ، أيُّ جَوْرٍ كان فيكِ...
كيف حَوَيْتِ حباتَ الرمال التي ارتوت من جراحاتِ محمد... ودماء فاطمة... ودموع علي...
كيف تحملت أن يملأ سماءكِ صدى آهاتِ الحسن والحسين وزينب...
عجيبٌ كل ما فيك...
وأنا لن أبرحَ أُعَاتبُك ليلَ نهار...
فكيف أنسىى... ولستُ أنسى أن حق فاطمة قد غُصِبً فيكِ...
ما زِلتُ أسمعُ صدى صوتُها بل صدى أنينـَهـا وحنينـَها...
خرجت فاطمة من دارها حتى اجتمعت بالناس...
ثم إنها زَفَرَتْ زفرةً... وأي زفرةٍ ؟ بكى لها كل الناس...
هل تراها زفرةُ الشوق الى أبيهـا...
أم أنها زفرةُ الحزن على علي...
أو أنها زفرة الألم... تخرج من بين ضلوعها المتكسرة
يا للفجيعة ما تَرَكَ رسول الله الا إبنتَهُ فاطمة
فكيف... غصبتِ حقها؟ وكيف آلمت قلبها...؟
يا مدينة الزهراء...
ماذا أسميك؟!... وبماذا أناديك؟!...
وكلما ذكـرتُك... حدثتني آهات الزهراء عنك...
وقـطـراتُ الدمع التي تهاوت على مقلـتيها تشكو فراقها لعيني فاطمة...
لقد تهاوت تلك القطرات على رمالكِ...
ألم تشعري بحرارتها؟!...
لقد ظلت سيدةُ الوجود تنتظرُ تلك اللحظة التي تغيب فيها عنك...
مولاتي يا فاطمة... بالله كلميني قبل الرحيل ولو كلمة...
أو تكرمي علي ولو بنظرةٍ...
برسول الله... يا زهراء...
خذيني معك لا تتركيني في دنيا آذَتْكِ...
كيف ترحلين؟! والقلب ما عَشِقَ سواك
ولكن الزمان قسى... والدهر خان....
وجاء يومٌ لم يَطْلَع له صباح... ولم تشرق فيه شمس...
جاء يومٌ كان شروقُهُ ظلام وغروبُه بكاء...وليلـُه حزن وآلام...
جاء يوم تَفْخَرُ فيه أسماء أنها كانت آخر من سمع همسات فاطمة...
وآخرُ من نظر في عينيها المشتاقة الى أبيها...
يحقُّ لك يا خادمةَ الزهراء أن تفخري وقد كنتِ آخرَ من شمَّ طيبَها...
هو يومُ الفجيعة الـمُرَّة... الذي لطالما انتظرَتْهُ فاطمة...
أسدلَتْ فيهِ الملائكةُ ستارَ الـحزن...
وتآخَتِ الدمعةُ فيه مع قلبِ علي...
والأسى اتخَذَ من قلوب يتامى فاطمة له عرشاً...
اهتزَّتِ السماء... وارتجتِ الأرض وغابت شمسُ فاطمة...
وضجَّ الناس...
أما علي وحدَهُ كان يعلم عظمةَ المصيبة...
أسرع الى حبيبته علّهُ يُدرك منها حرفاً...
أو يرى على شفتيها بسمة؟!...
أقبلَ أسدُ الله يضمُ بين يديه رأس فاطمة...
كأن النحلة تعانِق الزهرة... وهو يقول...
يا فاطمة... كلميني... يا بنتَ من صلّى بملائكة السما... كلميني...
فلما أيِسَ من جوابِها...
رفع شيبته الى السماء... وقد تناثرت حباتُ الدرِّ من عينيه...
وانهمرت على مآقي فاطمة...
وخرق صوت بكائِه أسماع الزهراء...
وقال... يا زهراء... أنا حبيبك المرتضى كلميني...
مولاي يا أمير المؤمنين...
نحن لا نتحمل أن نسمع أنينَك... فكيف أن نرى دمعةَ عينك؟!...
مولاي... إرحم قلب زينب... لا تؤلمها بحزنك...
أنظر الى براعم فاطمة... كالفراشات يطوفون حول السراج...
يتهادون بين ذراعَيْها...
زينب... والحسن... والحسين...
ثلاثة أنجمٍ وأمـّهُم القمر... عانقوا اليُتْمَ منذ الصِغَر...
وأخذوا يمسحون بأياديهم الناعمة على وجه فاطمة وجسدها...
يرتشِفون آخر نسَمـَات الدفء والحنان...
وصار كلُّ واحدٍ منهم... يُودِّع أمه...
هذا يُقَبِّل يديها... وذاك يقعُ على قدميها...
مرة يأخذُ بيد أمه ويمسحُ بها على رأسِهِ...
وأخرى يضعُ خدَّهُ على خدِّها...
أما زينب... فوالهفي لتلك الغريبة...
أظُنُّها ما أرادت إلا أن تسكن في كفن أمها...
لكن يُتمَ علي قد كسر قلبها...
فتربَّعَت في حِجرِهِ تمسحُ دموعه بكفيها...
أيُّ رزيةٍ حلَّت في غروب ذلك اليوم؟!...
رَحَلَت فاطمة... غابَت عن عيون الناس...
رَحَلَت... وقد تركت دموع علي تروي حكايتها...
ومآسي يتاماها تقصُّ مآسيها...
رَحَلَت فاطمة... والمسمارُ يَشهدُ محنَتَهَا...
وذلك الباب المحروق... ودماء المـحسن تحكي عن آلامِها...
قوموا يا شيعة الزهراء... فالعزاءُ طويل...
وليالي الغربة قد حلَّت في دار علي...
قوموا احملوا آهاتكم تعازي...
ودموعكم مواساة...
قوموا هَيِّأوا القلوب قبوراً للزهراء...
فليلةُ الدفنِ قد جاءت...
قوموا سيروا في موكبِ التشيـيع...
واحملوا النعش على الأكتاف... ولا تميلوا به...
لأنَّ فيه جسدٌ نحيل... وقلبٌ حزين...
في النعش ضلعٌ مكسور... وعينٌ محمرة... ومتنٌ قد اسودَّ من ضربة العبد اللئيم...